تدعو الأيقونة إلى أن نقف أمامها في هدوء وصلاة وتأمُّل. هي صفحة نورانيَّة ملكوتيَّة، إنجيل مصوَّر كما يحلو للكثير من الآباء القدِّيسين أن يصفوها.
لم تأت الأيقونة من الفنِّ فقط بل من الإيمان بطريقة فنِّيَّة. فالمقام الأوَّل فيها ما تمثِّله: الربُّ يسوع المسيح، والدة الإله، قدِّيسون وقدِّيسات، أحداث إنجيليَّة، عجائب. فهي تحاكي إيماننا بالخطوط والألوان تمامًا كما تحاكينا الكلمات في الكتاب المقدَّس والكتب الروحيَّة، والعقائد، والمجامع، والألحان الكنسيَّة والأناشيد. تشكِّل كلُّها مجموعة واحدة متناسقة ومتناغمة تسير في طريق واحد وخطٍّ واحد وهدف واحد ألا وهو خلاص الإنسان الَّذي تجلَّى بتجسُّد يسوع الواحد في الجوهر الإلهيِّ مع الآب والروح القدس.
ترافقنا الأيقونة منذ بدء انتشار المسيحيَّة لتعلن أنَّ الإله غير المنظور والَّذي هو قبل الدهور ظهر على الأرض إنسانًا كاملًا، وطبعًا بقي إلهًا. هو ألَّه البشريَّة بالنعمة والنور الإلهيِّ غير المخلوق، النازل على الإنسان من لدن الربِّ. لهذا نشاهد الوجوه في الأيقونة نورانيَّة، وهي تدعونا إلى أن نمتلئ من النور الإلهيِّ والقوى الإلهيَّة الَّتي ينعم بها الربُّ على من يجاهد بصدق وتوبة وتواضع.
الأيقونة تُقرأ كما يقرأ الإنجيل، ولكي نفهم ما تريد إيصاله إلينا، علينا أوَّلًا أن نصمت لنفهم. أليس هذا ما يجب أن نفعله عند قراءتنا أو سماعنا الإنجيل؟
في الماضي قال صموئيل للربِّ: «تكلَّمْ يا ربُّ لأنَّ عبدك سامع» (1 صموئيل 3: 9). وصمت صموئيل وهيَّأ نفسه للإصغاء الكامل، عندها سمع الرّب وأدرك معنى كلماته.
لا نتكلَّم هنا عن السماع الخارجيِّ بل عن الإصغاء، إصغاء القلب والعقل معًا. هذا الأمر يتطلَّب اكتساب الهدوئيَّة، أي أن تهدأ أهواؤنا ويصفى ذهننا ونستنير لنتَّحد بالربِّ القدُّوس. خير مثال لنا والدة الإله الَّتي تصفها كتاباتنا الليتورجيَّة بالمصغية والمطيعة «إيباكويي» (Ὑπακοή / Hypakoē)، ومعناها الطاعة أو الإصغاء المطيع، ونقولها في طريقة تصويريَّة «تحت السمع». كيف لا وهي الَّتي قالت للملاك جبرائيل: «هوذا أنا أمة الربِّ. ليكن لي كقولك» (لوقا 1: 38).
فعندما نقترب مثلًا من أيقونة والدة الإله حاملة الربِّ يسوع على يدها وتشير إليه بيدها الأخرى، نسمعها روحيًّا تخاطبنا قائلة: «مهما قال لكم فافعلوه» (يوحنَّا 2: 5).
هنا نطرح السؤال: كيف لنا أن نسمع أو بالأحرى أن نصغي إلى ما يقوله لنا الربُّ ونحن نعيش في ضجيج صاخب؟
قد نسمع في حياتنا أصواتًا كثيرة ولكن هل يجب أن نصغي إليها جميعها؟ بالطبع لا. وهنا يأتي الفرق بين السماع والإصغاء. فالسماع إدراك الصوت بالأذن، سواء أكان بقصد أم بغير قصد (entendre)، أمَّا الإصغاء فهو توجيه الانتباه والتركيز إلى ما يُقال بقصد الفهم (écouter)، وتتبعه الاستجابة.
هكذا يفعل القدِّيسون، يصغون إلى كلام الربِّ ويقبلونه ويعملون به ويستجيبون له. لهذا يجاهدون لاكتساب الهدوئيَّة، والابتعاد عن الضجيج الدهريِّ.
ولكن ماذا يفعل من يعيش في وسط العالم؟ الخبرة الجيِّدة تقول بأن يجاهد المرء ليجد وقتًا يختلي به مع الربِّ بهدوء وصمت. قد يكون ذلك في غرفته أمام أيقوناته في ضوء خافت وشمعة مضاءة. إنَّه وقت يخرج فيه الإنسان ممَّا يحيط به ويدخل إلى عمق ذاته حيث ملكوت السموات كما قال الربُّ (لوقا 17: 21).
من يختبر الهدوء الإلهيَّ المنشود يعشقه. كم من شخص يلجأ إلى الطبيعة ليجد الهدوء وترتاح نفسه، فكم بالأحرى الهدوء الإلهيُّ؟ نحن أيقونات خلقنا الله على صورته، والأيقونة تذكِّرنا بذلك. الإنسان المصلِّي يعيش الهدوء حتَّى ولو كان في وسط ضجيج صاخب. هذا الأمر يجعل نفسه في سكينة وسلام ليس من هذا العالم كما وعدنا يسوع: «سلامًا أترك لكم. سلامي أعطيكم. ليس كما يعطي العالم أعطيكم أنا. لا تضطربْ قلوبُكم ولا ترهبْ» (يوحنَّا 14: 27). ومقتني السلام يبثُّه إلى الآخرين، وكلُّنا نشعر بذلك عندما نلتقي بإنسان مليء بالسلام الإلهيِّ. نشعر بسلامه دون أن يتفوَّه بحرف واحد.
بالعودة إلى الصمت والهدوء، نرتِّل في قدَّاس سبت النور في «التسبحة الشاروبيميَّة»: «ليصمتْ كلُّ جسد بشريٍّ، وليقف بخوف ورعدة، ولا يفكِّرْ في شيء أرضيٍّ، لأنَّ ملك الملوك وربَّ الأرباب المسيح إلهَنا يقتَدِمُ ليُذبَحَ ويُعطَى مأكلًا للمؤمنين». عبارة جسد بشريّ كما أتت في النصِّ اليونانيِّ[1] تشير إلى جسد فانٍ ومحدود ومائت، أي أنَّ الطبيعة البشريَّة المحدودة والفانية تصمت أمام التدبير الإلهيِّ لأنَّها مهما حاولت أن تشرح فكر الله وتدبيره تبقى عاجزة وتبقى العبارات ناقصة. لذا نصمت ونهدأ لنتملئ من الربِّ ونعيش تدبيره الخلاصيَّ. فعندما نصمت نمتلئ من الربِّ ونغرف منه. فليس المقصود إذًا أن يتوقَّف الإنسان عن التفكير أو أن يُلغى العقل، بل أن يستنير بنور الربِّ، لأنَّ السرَّ الإلهيَّ يعاش أوَّلًا. لهذا قال القدِّيس اسحق السريانيُّ: الصمت لغة الدهر الآتي وأعقب القدِّيس سلوان الآثوسيُّ: قمَّة الصلاة الصمت. يا لها من رهبة مملوءة نورًا. إنَّه سكون الفكر وهدوء القلب والتحرُّر من تشتُّت الأفكار والدخول في صلاة عميقة وحضور دائم أمام الربِّ، خصوصًا من خلال صلاة يسوع.
إلى الربِّ نطلب.
[1].Σιγησάτω πᾶσα σὰρξ βροτεία
























































